2 من 3] ناصر خسرو في الأحساء.. أخطأ المترجم فضاع الرحّالة

ناصر خسرو في الأحساء([1])

أخطأ المترجم فضاع الرحالة

عدنان السيد محمد العوامي

الحلقة الثانية

في الحلقة السابقة عرضت أسلوب  ناصر خسرو في تدوين رحلته، فعرَّفت من لا يعرف من السادة القرَّاء الأفاضل أن لناصر خسرو أسلوبين اثنين في تدوينه رحلته؛ أحدهما تبرز فيه شخصية الرحالة يصف مشاهداته، وما يراه بنفسه، ويؤرخ دخوله وخروجه إلى أي بلد أو مكان يصل إليه ويغادره، ومن لقي ومن فارق، والأخرى شخصية الجغرافي الناقل عن غيره، وعرضت مثالين يوضحان منهجه الذي اتبعه في تدوين رحلته، فهل ستختلف الحال في ما بقي من رحلته؟ لنرَ!

بعد قضائه مناسك الحج في حجته الأخيرة

تحت عنوان: (إلى الحسا عن طريق الطائف ومطار والثريا وجزع وسربا وفلج واليمامة) كتب([2]):

«بعد إتمام الحج استأجرت جملاً من أعرابيٍّ؛ لأذهب إلى الحسا، وقيل إنهم يبلغونها من مكة في ثلاثة عشر يومًا، وقد ودَّعت بيت الله يوم الجمعة تاسع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة (7 مايو 1051)، الموافق أول خرداد القديم (مايو- يونيو)، وقد وجدنا مَرْجًا بعد سبعة فراسخ من مكة، عنده جبل، ولما بلغناه وجدنا سهلاً وقُرىً وبئرًا اسمها بئر (الحسين بن سلامة)، وكان الجوُّ باردًا، وقد سرنا ناحية الشرق.

بلغنا الطائف يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة، ومن مكة إلى هناك اثنا عشر فرسخًا. والطائف على رأس جبل، وكان الجوُّ باردًا في شهر خرداد (مايو – يونيو) حتى لزم الجلوس في الشمس، بينما يكثر البطيخ بمكة في هذا الوقت. وقصبة([3]) الطائف هذه؛ مدينة صغيرة بها حصنٌ محكمٌ، وسوق وجامع صغيران، وبها ماءٌ جار وأشجار رُمَّان وتين كثيرة، وبجوارها قبر عبد الله بن عباس (N)، وقد بنى خلفاء بغداد هناك مسجدًا كبيرًا يقع القبر في زاويته على يمين المحراب والمنبر، وبنى الناس هناك بيوتًا يسكنونها.

سرنا من الطائف واجتزنا جبالاً وأراضيَ صخريةً، وكنا نجد – حيثما سرنا – قلاعًا محصَّنة وقرى، وقد أرَوْني – وسط الصخور – قلعةً خربة، قيل إنها كانت بيتَ ليلى، وقصتهم فيها عجيبة.

ومن هناك بلغنا قلعة تسمى مطار، وبينها وبين الطائف اثنا عشر فرسخًا، ثم بلغنا ناحية تسمى الثريَّا بها نخيل كثير، وتزرع [كذا، والصحيح: تسقى] أرضها بمياه الآبار والسواقي([4]). قالوا وليس لهذه الناحية حاكم أو سلطان، فإنَّ على كل جهة رئيسًا أو سيدًا مستقلاً، ويعيش الناس على السرقة والقتل، وهم في حرب دائم بعضهم مع بعض. ومن الطائف إلى هناك  خمسة وعشرون فرسخًا.

إحدى القريتين: الطائف داخل السور

وبعد ذلك  مررنا بقلعة تسمى جِزع، وعلى مساحة نصف فرسخ منها أربع قلاع، نزلنا عند أكبرها وتسمى حصن بني نسير، وهناك قليل من النخيل. وبيت العربي الذي استأجرنا جَمَلَه في الجزع هذه، ولبثنا هناك خمسة عشر يومًا؛ إذ لم يكن معنا خفير يهدينا الطريق([5]).

ولكل قوم من عرب هذا المكان أرض محددة ترعى فيها ماشيتهم، ولا يستطيع أجنبي أن يدخلها، فهم يمسكون كل من يدخل بغير خفير، ويجرِّدونه مما معه، فيلزم استصحاب خفير من كل جماعة حتى يتيسر المرور من أرضهم، فهو وقاية للمسافر، ويسمونه أيضًا مرشدالطريق (قلاوز). وقد اتفق أن جاء إلى الجزع رئيس الأعراب الذين كانوا في طريقنا وهم بنو سواد، واسمه ابو غانم عبس بن البعير، فاتخذناه خفيرًا، وذهبنا معه وقابلنا قومه فقالوا إنهم لقوا صيدًا؛ إذ ان كل أجنبي يرونه يُسمى صيدًا، فلما رأوا رئيسهم معنا أسقط في أيديهم، ولو لا ذلك لأهلكونا.

صحراء وجمال

وفي الجملة لبثنا معهم زمنًا؛ إذ لم يكن معنا خفير يصحبنا، ثم أخذنا من هناك خفيرين، أجر كل منهما عشرة دنانير؛ ليسيرا بنا بين قوم آخرين، وقد كان من هؤلاء العرب شيوخ في السبعين من عمرهم، قالوا لي: إنهم لم يذوقوا شيئًا غيرَ لبن الإبل طوال حياتهم؛ إذ ليس في هذه الصحراء غير علف فاسد تأكله الجمال، وكانوا يظنون أن العالم هكذا. وظللت أتحوَّل من قوم إلى قوم، وأجد في كل مكان خطرًا وخوفُا إلا أن الله (تبارك وتعالى) سلمنا منها.

وبلغنا مكانًا في وسط أرض ملؤها الصخور يسمى سَربًا، رأيت به جبالاً، كل منها كالقبة، لم أر مثلها في أي ولاية، وهي من الارتفاع بحيث لا يصل إليها السهم، وملساء، وصُلبة بحيث لا يظهر عليها شق أو التواء، وقد سرنا من هناك، فكان زملاؤنا في الطريق كلما رأوا ضًبًّا قتلوه وأكلوه، وكانوا يحلبون لبن الجمال حيث وجد الأعراب، ولم أكن أستطيع أكل الضب أو شرب لبن الجمال، وفي كل جهة من الطريق بها شجر مثمر في حجم حبة السلة [كذا، ولعلها الأسلة؟] كنت أقنع بأكل حبَّات منها، وبعد معاناة مشاق ومتاعب كثيرة بلغنا فلجًا في الثالث والعشرين من صفر (443 – 1051)».

اثار عيون الأفلاج (2):سيح جعدة -قصيرات عاد- واكتشاف بلدة صداء المنسية -  فريق الصحراء

فلج

خسرو الرحالة خطاط في فلج

«ومن مكة إليها ثمانون فرسخًا، وتقع فلج هذه وسط الصحراء، وهي ناحية كبيرة، ولكنها خربت بالتعصب، وكان العَمَران – حين زرناها – قاصرًا على نصف فرسخ في ميل عرضًا، وفي هذه المسافة أربع عشرة قلعة للصوص والمفسدين والجهلة، وهي مقسَّمة بين فريقين بينهما خصومة وعداوة دائمة، وقد قالوا: “نحن من أصحاب الرسيم الذين ذُكِروا في القرآن الكريم”([6])، وهناك أربع قنوات يسقى منها النخيل. أما زرعهم ففي أرض عالية يرفع إليها معظم الماء من الآبار، وهم يستخدمون – في زراعتهم – الجمال لا الثيران، ولم أرها هناك، وزراعتهم قليلة، وأجر الرجل في اليوم عشرة سِيرات([7]) من غلة يخبزها أرغفة، ولا يأكلون إلا قليلاً، من صلاة المغرب حتى صلاة المغرب التالية، كما في رمضان، ويأكلون التمر أثناء النهار، وقد رأيت هناك تمرًا طيِّبًا جدًّا، أحسن مما في البصرة وغيرها.

والسكان هناك فقراء جدًّا وبؤساء، ومع فقرهم فإنهم كلَّ يوم في حرب وعداء وسفك دماء، وهناك تمر يسمونه ميدون، تزن الواحدة منه عشرة دراهم، ولا يزيدون وزن النوى به عن دانق ونصف، ويقال إنه لا يفسد ولو بقيَ عشرين سنة، ومعاملتهم بالذهب النيشابوري.

 وقد لبثتُ بفلجٍ هذه أربعة أشهر في حالة ليس أصعب منها. لم يكن معي من شؤون الدنيا سوى سلتين من الكتب، والناس جياع وعراة وجهلاء، ويلتزمون حمل الترس والسيف إذا ذهبوا للصلاة، ولا يشترون الكتب، وكان هناك مسجد نزلنا فيه، وكان معي قليل من اللونين القرمزي واللازورد، فكتبتُ على حائط المسجد بيت شعر، ووضعت في وسطه ورق الشجر، فرأوه وتعجبوا، وتجمَّع أهل القلعة كلها ليتفرجوا عليه، وقالوا لي: “إذا تنقش محراب هذا المسجد نعطيك مائة مَنٍّ([8]) تمرًا”. ومائة مَنٍّ تمرًا عندهم شيء كثير، فقد أتى، وأنا هناك، جيش من العرب، وطلب منهم خمسمائة مَنٍّ تمرًا فلم يقبلوا وحاربوا، وقتل من أهل القلعة عشرة رجال، وقُلِعت ألفُ نخلة، ولم يعطوهم عشرة أمنان تمرًا، وقد نَقشتُ المحراب – كما اتفقوا معي- وكان لنا في المائة مَنٍّ مِن التمر عونٌ كبير؛ إذ لم يكن ميسورًا أن نجد غذاءً، ولم يكن لدينا أمل في الحياة، ولم نكن نستطيع أن نتصوَّر خروجنا من هذه البادية؛ إذ كان ينبغي – للخروج منها عن أي طريق – اجتياز مائتي فرسخ من الصحراء كلُّها مخاوف ومهالك، ولم أر في الأشهر الأربعة التي أقمتها بفلج خمسة أمنان من القمح في أي مكان، وأخيرًا أتت قافلة من اليمامة لأخذ الأديم وحمله إلى الحسا، فإنه يُحضَر من اليمن إلى فلج حيث يباع للتجار. قال لي أعرابي: أنا أحملك إلى البصرة، ولم يكن معي شيء قط لأعطيَه أجرًا، والمسافة مائتا فرسخ، وأجرة الجمل دينار، ويباع الجمل العظيم هناك بدينارين أو ثلاثة، ولكني رحلت نسيئة، إذ لم يكن معي نقود، فقال الأعرابي: أحملك إلى البصرة على أن تأجرني ثلاثين دينارًا([9])، فقبلت مضطرًا، ولم أكن قد رأيت البصرة قط، فوضع هؤلاء الأعراب كتبي على جمل أركبوا عليه أخي، وسرت أنا راجلاً، وتوجهنا في اتجاه مطلع بنات نعش (الدب الأكبر).

كان الطريق مستويًا لا جبالَ فيه ولا مرتفعات، وكان ماء المطر متجمعًا حيثما كانت الأرض أشدَّ صلابة، ومضت ليلالٍ وأيام، ولم يبد في أي جهة أثر الطريق، إلا أنهم كانوا يسيرون بالغريزة (بالسمع)، ومن العجيب أنهم كانوا يبلغون، فجأة، بئر ماء مع عدم وجود أيِّ علامة.

وصف اليمامة

>وبالاختصار بلغنا اليمامة بعد مسيرة أربعة أيام بلياليها، وباليمامة حُصنٌ كبير، قديم، والمدينة والسوق – حيث صناعٌ من كل نوع – يقعان خارج الحصن، وبها مسجد جميل، وأمراؤها علويون منذ القديم، ولم ينتزع أحد هذه الوِلايةَ منهم، إذ ليس بجوارهم سلطانٌ أو ملك قاهر، وهؤلاء العلويون ذوو شوكة، فلديهم ثلاثمائة أو أربعمائة فارس، ومذهبهم الزيدية، وهم يقولون في الإقامة: “محمد وعلي خير البشر، وحي على خير العمل”، وقيل إنَّ سكان هذه المدينة شريفية (خاضعون للأشراف)، وباليمامة مياه جارية في القنوات، وفيها نخيل، وقيل إنه حين يكثر التمر يباع الألف مَنٍّ مِنه بدينار، ومن اليمامة إلى الحسا أربعون فرسخًا، ولا يتيسر الذهاب إليها إلا في فصل الشتاء، حين تتجمع مياه المطر، فيشرب الناس منها، ولا يكون ذلك في الصيف».

واضح من هذاالعوائق الكثيرة التي حالت دون سفره إلى الأحساء، واضطرته لتغيير وجهته إلى البصرة بدلاً من الأحساء؛ منها الانقطاع (الإفلاس)؛ إذ لم ييبق معه مال ينفق منه حتى لشراء ما يتقوَّت به، وعبور الصحراء إلى الأحساء في الصيف متعذر، إن يكن مستحيلاً، بسبب جفاف الغدران والآبار. هذه العقبة ينبغي أن تؤخذ في الحسبان.

للموضوع صلة.

————

([1])نشر، مخصترًا، في مجلة الواحة، العدد التاسع عشر، الربع الثالث، 2000م .

([2])سفر نامه، ناصر خسرو، ترجمة الخشاب، ص: 137 – 142.

([3]) القصبة: الحاضرة، أو العاصمة بتعبيرنا اليوم.

([4])كذا في ترجمة الخشاب، والأصح: تُسقى، ونص ترجمة شيفرز:

De Mouthar, nous gagnames Thurayya ou I’on remarque de nombreuses plantations de de dattiers. on y ensemencait la terre et on i’arrosait avec de I’eau tiree de puits au moyen de roues hydrauliques.P: 216.

وتعريبها: ومن مطار بلغنا الثريا، حيث لاحظنا كثيرًا من مزارع النخيل، والأراضي مستصلحة وتسقى من مياه الآبار بواسطة بكرات مائية. (مراده بالبكرات المائية: السواني).

([5])الذي يهدي الطريق هو الدليل، أما الخفير فهو الذي يُستأجر للحماية من قطاع الطرق واللصوص.

([6])يحتمل الشيخ حمد الجاسر أنها الرس الذين ذكروا في القرآن الكريم، وهذا هو ما نص عليه كثير المفسرين، وبعض المؤرخين. سفر نامه، الخشاب، ص: 140، هـ (1).

([7])يزن السِّير خمسة عشر مثقالاً. سفر نامه، الخشاب، ص: 140 هـ (29)، عن شيفر ص: 220، وسِير، بكسر أوله، فارسية: زنة تعادل 75 غرامًا. المعجم الذهبي، محمد ألتونجي.

([8])المنُّ: زنة مقدارها في القطيف: 16 كيلوًا.

([9])نص الأصل الفارسي في ترجمة سياقي: ثلاثة دنانير.

اقرأ الحلقة الأولى

1 من 3] ناصر خسرو لم يزر الأحساء.. وشخصيته مزدوجة بين “مُشاهد” و “ناقل”

‫2 تعليقات

  1. السؤال للكاتب المبجل…. اليمامه هذه …الخرج ام الرياض ام ام 🤔🤔

    من هذا السرد … نستنتج ان كتاباته عن الأحساء….ماهي إلا قصص سمعها من فلان وعلان 😉

زر الذهاب إلى الأعلى
<p>صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com</p>
×