دراسة بولندية: الأطفال يميزون المنافقين..!

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

حتى الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة يمكنهم تمييز المنافق. وكأي راشد (20 سنة وأكبر)، لا يملك هؤلاء الأطفال رأياً حصيفاً عن هؤلاء المنافقين: لكن تقييمهم للمنافقين هو من باب اعتبارهم إياه أنه أكثر سلبية مقارنة بالآخرين الذين ينتهكون القواعد المقبولة في المجتمع. هذا ما وجدته دراسة أجراها باحثون من جامعة SWPS  البولندية.

ككائنات اجتماعية فائقة، يحتاج الناس إلى ناس آخرين حولهم للبقاء والازدهار. نظرًا لأننا مجبولون على التعاون مع الآخرين وعلى تكوين علاقات مستدامة معهم، فإن معرفة من هو جدير بالثقة يستحق التعاون معه ممن يجب تجنب التعاون معه تعتبر بشكل خاص خطوة قيمة جدًا.

لحسن الحظ، وُلدنا بقدرات أو بمهارات إدراكية (1) جعلتنا نستطيع تقييم تصرفات وأفعال الآخرين الأخلاقية. أحد عناصر هذا التقييم هو معرفة إمكانية أن نتعرض للتضليل من قبل أحدهم. وبالتالي، فإن الذين يقدمون أنفسهم على أنهم أخلاقيون ثم يتصرفون بطريقة غير أخلاقية سنعتبرهم، بتصرفهم هذا، تهديدًا ممكنًا لنا.

تُبين الدراسات التي أجريت على الراشدين أن المنافقين من الناحية الأخلاقية (الذين لا يتصرفون بشكل أخلاقي فحسب، بل أيضًا بطريقة تتناقض بين ما يدعون من مبادئ أخلاقية وبين سلوكهم غير الأخلاقي] يُحكم عليهم على أنهم أسوأ من أولئك الذين يتصرفون بشكل غير أخلاقي، ولكنهم ليسوا منافقين [يعني لا يضمرون عكس ما يبدون]. وذلك لأن المنافقين لا ينخرطون فقط في أعمال غير أخلاقية، بل أيضًا يضمرون خلاف القيم الأخلاقية التي يدعونها علنًا، وهذا يعتبر تصرفًا غير أخلاقي مدان.

تشير الكثير من الدراسات إلى أنه يُنظر إلى المنافق على أنه مضلل وغير جدير بالثقة، وسجاياه غير الأخلاقية أسوأ من غير الأخلاقي الذي لا يتناقض سلوكه مع ما يدعيه من قيم.

صغير السن لكنه جيد في الحكم على السجايا

لاحظ الباحثون منذ فترة طويلة أن الأطفال حساسون بشكل خاص لسلوك الآخرين غير الأخلاقي ويفضلون السلوكيات المحبة للمجتمع (2). تشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال يحكمون على سجية الشخص الأخلاقية ليس فقط من خلال مراقبة سلوكه مباشرة ولكن أيضًا مما يسمعونه من آخرين عنه.  من سن مبكرة جدًا، يحاول الأطفال تجنب منتهكي المعايير الأخلاقية القائمة. نوع خاص من هؤلاء الأشخاص هم أولئك الذين يلجأون إلى النفاق الأخلاقي (3) [تناقض بين ما يدعون من مبادئ أخلاقية وبين سلوكهم غير الأخلاقي – أو تناقض بين ما يقولون وبين ما يفعلون].

هناك عدد قليل جدًا من الدراسات التي تثبت ما إذا كان بإستطاعة الأطفال تمييز النفاق الأخلاقي وإذا كان يؤثر ذلك سلبًا في تقييمهم الآخرين بناءً على التزامهم بالمعايير الأخلاقية. قرر باحثون من جامعة SWPS البولندية استكشاف هذه المسألة. كجزء من دراستهم المنشورة بعنوان: “كشف النقاب عن النفاق الأخلاقي: كيف ينظر أطفال ما قبل المدرسة ويقيمون المنافقين أخلاقيًا” في مجلة العلوم التنموية (4)، ومن أجل هذا أجروا ثلاث تجارب.

كيف نوظف التعاون والثقة الاجتماعية [الثقة الاجتماعية هي الاعتقاد في أمانة ونزاهة وموثوقية الناس (5)]

نتائج الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة SWPs تساهم في معرفة جديدة تساعد في دراسة الأخلاق عند الناس، بما في ذلك نظرية النفاق الأخلاقي، والتي تثبت، من بين أمور أخرى، أن الأطفال – كما الراشدين – يعتبرون السلوك السائد للمنافقين أكثر سلبية من السلوك غير الأخلاقي لغير المنافقين.

من الأهمية بمكان أن نفهم أهمية التقييم السلبي لمثل هؤلاء الناس في سياق الاهتمام بالتعاون. النفاق الأخلاقي يهدد العمل الجماعي وذلك بتقويض الثقة بين الناس. بالإضافة إلى ذلك، فإن المنافقين الذين يرسلون إشارات مضللة يخلون بنزاهة المجموعة أو الجماعة، والتي تعتبر عنصرًا ضروريًا للتعاون بين الناس.

يشير الباحثون إلى أن نتائج التجارب تستحق أن تؤخد بعين الاعتبار على نطاق أوسع، على سبيل المثال من حيث بناء الثقة الاجتماعية. قد يكون الكشف المبكر عن النفاق وظيفة إدراكية مهمة [وظيفة ادراكية هي قدرات ذهنية متعددة تشمل التعلم والتفكير والاستدلال والتذكر وحل المشكلات واتخاذ القرارات والانتباه (6)]، مما يمكّن الأطفال من التمييز بين من هم جديرون بالثقة وبين غير الجديرين بالثقة في بيئتهم. قد تنبثق عن ذلك نفس الحساسية من الحاجة إلى التعرف بدقة على الحلفاء.

خلص الباحثون إلى أن الأصالة [الدرجة التي تتوافق فيها أفعال الفرد مع معتقداته ورغباته، على الرغم من الضغوط الخارجية (7)] والاتساق [الخلو من التناقضات – عدم النفاق (8)] في التعليم الأخلاقي لأصغر الأطفال مهمين جدًا، ويجب أن يكون أولياء الأمور على دراية بأفعالهم بما يتفق مع أقوالهم، لأنه – كما اتضح – الأطفال مراقبون مميزون لمدى النزاهة الأخلاقية.

ـــــــــــــــــــــــــــ

مصادر من داخل وخارج النص

1- “المهارات الادراكية cognitive skills، والتي تسمى أيضًا الوظائف الادراكية cognitive functions أو القدرات الادراكية cognitive capacity أو cognitive abilities هي مهارات دماغية غ لاكتساب المعرفة واستخدام المعلومات والتفكير.  ولها علاقة بآليات كيف يتعلم الناس ويتذكرون ويحلون مشكلاتهم وكيف يولون انتباههم، ولكن ليس لها علاقة بالمعرفة الفعلية.  تشمل المهارات أو الوظائف المعرفية مجالات الإدراك الحسي والانتباه والذاكرة والتعلم واتخاذ القرار والقدرات اللغوية.”  ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:

https://en.wikipedia.org/wiki/Cognitive_sk

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/سلوك_محابي_للمجتمع

3- https://e3arabi.com/العلوم-التربوية/ظاهرة-النفاق-الأخلاقي-في-علم-النفس-الا/

4- https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/desc.13580

5- https://www.cfnova.org/images/pdf/CFNV_InsightRegion_Social_Trust_Handout_v7.pdf

6- https://www.sciencedirect.com/topics/psychology/cognitive-functioning

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/أصالة_(فلسفة)

8- https://ar.wikipedia.org/wiki/اتساق

المصدر الرئيس

https://medicalxpress.com/news/2025-03-preschoolers-keen-hypocrisy-young-children.html

تعليق واحد

  1. سيد الموقف او الفعل السائد بين البشر عامة هو الكذب ؛ لكن المهتمين بالعمل باخلاص يركزون على المعاملة الصادقة وهم الذين يستطيعون بناء الحضارات !
    ولو تم إجراء هذه الدراسة في البلدان الإسلامية او بعضها لكانت النتيجة بعكس ماتم اجراءه في بولندا او اوربا وعلى الاقل تختلف بحيث تجد ان الطفل المسلم لا بميز بين المنافق وغير المنافق والسبب ان والديه لا يميزان ذالك ؛ ولان الاب او الأم عندهم صفات النفاق امر طبيعي فلا يجدون اشمئزاز من الكذابين والمنافقين ؛
    هذا في الامور العامة بين المسلمين ولكن في الامور الخاصة او القليلة تجد العكس !
    وبطبيعة الحال او الخلاصة ان تربية الطفل على أي نوع حتى لو كان خطأ فإنه سيكون بالنسبة له امر كمقياس في حبه او كرهه ؛
    كمثال إذا عودة الطفل على اللعب في اوقات الفراغ سيكون هذا مقياس له بعد فترة بحيث أي يوم اجازه سيكون له يوم للعب بل تجده ينتظر يوم الجمعة (كمثال) او شهر رمضان بفارغ الصبر وكذالك إذا عودة الطفل على حب الحيوانات (كمثال اخر) او على الاهتمام بالاشياء القديمة او بالجلوس والاستماع للسوالف سيكون هذا محبب له ويجعله مميز له ؛ بحيث يعرف انه هذا الأمر من الأمور التي تستحق الاهتمام وهي من الضروريات للحياة !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
<p>صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com</p>
×